صحفيو العراق ،، ورباعية الموت
كتبهاعامر الكبيسي ، في 8 تشرين الأول 2006 الساعة: 18:32 م
من البديهي القول إن العراق الآن - وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الغزو الأمريكي له- بات البلد الأخطر في العالم على الصحفيين والمؤسسات الصحفية بشكل أعم،

سواء منها العراقية أو الأجنبية، وليس أدل على ذلك من أن أكثر من نصف شهداء الصحافة في هذا العالم كانوا في العراق،
وكان آخرهم لحظة إعداد هذا التقرير هو الصحفي الشاب منصف الخالدي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، و مقدم البرامج في قناة (بغداد) إحدى المحطات الفضائية الوليدة في العراق، والتي تُحسب بشكل عام على أهل السنة. وإن كان القائمون عليها لا يرضون هذه التسمية، بل يحسبون أنفسهم على كل العراق.
وقبل الصحفي كانت الفاجعة بمقتل الزميلة أطوار بهجت السامرائي برصاص غادر بعد تغطيتها الجريئة للأحداث في سامراء؛ إذ إنها الوحيدة التي تمكنت من الوصول إلى سامراء غداة تفجير قبة مرقد الإمام علي الهادي، لكن مكافأتها في السبق الصحفي كانت رصاصات استقرت في الرأس، وقُيّد الأمر ضد مجهولين،
كما هو الحال مع معظم المقتولين في العراق، بين أطوار ومنصف كان المصوّر الكبير أمجد حميد الذي أصبح قبل مدة قصيرة مدير عام قناة (العراقية).
ولا أعرف إذا ما كان أمراً سيئاً أم لا، إن قلت إن الصحفيين الثلاثة "منصف وأطوار و أمجد" رحمهم الله، كانوا من الذين أعرفهم جيداً، ومرت بيننا وبينهم جولات وجولات،
لا سيما أطوار بهجت، والتي تنقّلْتُ معها من شرق العراق إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، يوم كنا نعمل معاً كفريق واحد، وما زلت أتذكرها يوم اعتقلت من قبل القوات الأمريكية؛ لأنها تمكنت من الوصول إلى موقع الحدث قبل غيرها من الصحفيين فما كان من الأمريكيين إلا أن اتهموها بأنها تعرف بالحدث قبل وقوعه، مما أدى إلى اعتقالها،
وحبسها يوماً كاملاً في مطار بغداد برفقة زميلها المصور ياسر بهجت.وإذا كان واقع الحال يتحدث فقط حول قتل الشهود
فإن ما وراء خبر القتل هذا مجموعة من السهام تُقذف في قلب وبصيرة من يريد أن يخترق مكامن الحقيقة ليدلف إليها من باب الصحافة، ويوصلها إلى الجمهور العريض داخل العراق وخارجه لنقل ما يجري، لكن هذه السهام ستجعل من يريد النقل حيران لا يدري هل سيكون السهم التالي من نصيبه أم لا ؟!
والسؤال الآن أي أثر ستتركه كل هذه الأحداث الدامية على الصحفيين الذين يمارسون عملهم الآن في العراق،
وخاصة أن ما يُعرف بظاهرة إرهاب الصحفيين ما عادت تقتصر على ترويعهم وحتى قتلهم، بل تعدتها إلى إرهاب المؤسسات الصحفية واستهدافها،
كما حصل مع قناة (بغداد) عندما استُهدف مقرها بوابل من الصواريخ، لتؤدي إلى إصابة ثلاثة من العاملين في الحقل الصحفي، وقناة (النهرين) التي فقدت اثنين من صحفييها أخذهم مجهولون من وزارة الداخلية ثم قتلوهم وكذلك قناة السومرية وعدد من صحفيي الصحف العراقية وكثير حتى من العطلين عن العمل الذين كانوا ضمن وزارة الاعلام السابقة .
وقبل الإجابة على التساؤل: من المستفيد من قتل الصحفيين، ومن يريد وأد الكلمة في العراق اليوم ،
لا بد من الإشارة إلى أن الخطر الداهم على الصحفيين في العراق يأتي لأسباب متداخلة وشائكة تشترك فيها أربعة أطراف رئيسة، وهي: قوات الاحتلال، و الحكومة العراقية، و والمسلحون في العراق، ومجهولون.
أما القوات الأمريكية ومن وراءها من الطيف الاحتلالي الواسع فإنها بداية المسؤولة عن كل ما يجري في العراق؛ لأنها أقرت دولياً بتوصيف الاحتلال ويلزمها حماية أمن البلد تبعا لذلك .
ومع أن العمل الصحفي له من الخصوصية الكثير فإن هذه القوات ارتكبت الكثير بحق الصحافة، سواء على مستوى قتل الصحفيين، ومن بينهم الشهيد طارق أيوب، ورشيد والي، ومازن الطميزي، وآخرون كثيرون من غير تقديم اعتذار أو تحمّل أي تبعات،
أو على مستوى اعتقال الصحفيين، كما حصل مع مئات الصحفيين في العراق، بعضهم اعتقل لساعات،
وآخرون ما زالوا يقبعون في السجون، وهناك بعض المكاتب الصحفية قد بلغت فيها حالات الاعتقال للصحفيين أكثر من خمسين.
ومما ارتكبته أيضاً تلك القوات هو إهانة عدد من الصحفيين داخل السجون،
ومنهم الصحفي صهيب بدر الدين السامرائي الذي كان يغطي حادثة تفجير عدد من السيارات الأمريكية في مدينته سامراء، لينتهي به المطاف إلى الاعتقال لستة أشهر، وتمت معاملته بشكل سيئ، حيث روى لي بنفسه كيف كان الأمريكيون يعتدون عليه بالضرب و الإهانة.
ومن الخروقات التي مارستها القوات الأمريكية على الصحفيين مصادرة العديد من الأشرطة والكامرات بحوزتهم بالقرب من مكان وقوع الحادث،
وخاصة إذا كان في الحادث إصابات في صفوف الأمريكيين وآلياتهم بشكل لافت للنظر.لقد حصلت معي، ومع معظم الصحفيين الذين يغطون أحداث العراق الساخنة؛
فعندما يتوجه فريق صحفي إلى موقع الحدث، ومعهم بالطبع (كاميرا) لتسجيل لقطات الحادث يسرع الجنود - وخاصة إذا كان ثمة دمار كبير في أرتال عسكرية- إلى أخذ الشريط من (الكاميرا) أو مصادرة (الكاميرا) حتى صار الصحفيون يجدون بعض الحيل لأخذ اللقطات، من بينها الإسراع بتغيير الشريط مع كل لقطة يعتقد المصور والمرافق له أنها جيدة،
كي لا تقع بيد الأمريكيين، والأمر الآخر هو فتح (الكاميرا) وتركها تصور من غير علم الجنود بأنها تصور لأخذ المزيد من اللقطات. لكن الأدهى من ذلك هو السؤال البديهي الذي يبدأ الجندي به لأول فريق يصل إلى موقع الحادث:
من أين عرفت المكان؟
ولقد كنت ذات مرة متجهاً نحو مدينة خارج بغداد لتغطية مؤتمر صحفي ، وفي الطريق كانت سيارة أمريكية تحترق، وعندما بدأ التصوير أسرع إليّ الجندي الأمريكي، وقال: من أين عرفت مكان الانفجار؟ فقلت له: أنا ذاهب إلى كربلاء لتغطية مؤتمر صحفي ،ورأيت الحادث أمامي، فلم يصدق،
ثم قام بتفتيشي، وأجلسني على الأرض، ثم أدخلني في السيارة، وبقيت أكثر من أربع ساعات فيها حتى أسرع الجنود لأمر طارئ ألمّ بهم ربما، ثم تركوني وغادروا المكان.
وإذا كانت هذه التجاوزات تُرتكب بحق الصحفيين أنفسهم فإن للأمريكيين جولات وصولات لمنع وصول ما يجري على الأرض، وخاصة في أيام المعارك،
و لاسيما معركتا الفلوجة الأولى والثانية، ولعلي أخص بالذكر منها الثانية التي لم يتمكن صحفي واحد يعمل للفضائيات من مباشرة عمله، ونقل الصور من داخل المدينة باستثناء وكالة واحدة فقط كان مراسلها يعمل مع الجيش الأمريكي، ويصور من الزاوية التي يحدّدها له القادة الميدانيون،
ومن ثم تُعرض صوره على مقص الرقيب الأمريكي قبل أن تصل إلى المشاهدين في كل إنحاء العالم.
ولا بد من الإشارة إلى أن الدور الأمريكي الضاغط على حرية الصحافة في العراق مثّله بداية قرار (بول بريمر) حل وزارة الإعلام العراقية، واعتبار موظفيها من المتقاعدين،
وما تركه من أثر بالغ في طمر الخبرات المتراكمة عند هؤلاء وإبعادهم عن المجال الصحفي تجاه المجالات الأخرى.
الحلقة القادمة ان شاء الله عن الحكومة العراقية والصحفيين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 15th, 2007 at 15 أكتوبر 2007 2:03 م
اذا كانت اطوار بهجت قد ماتت فان هناك مئات الالاف من امثال اطوار على نفس المسيره