رباعية الضغوط على صحفيي العراق….
كتبهاعامر الكبيسي ، في 23 أغسطس 2006 الساعة: 08:37 ص
من البديهي القول إن العراق الآن - وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الغزو الأمريكي له- بات البلد الأخطر في العالم على الصحفيين والمؤسسات الصحفية بشكل أعم، سواء منها العراقية أو الأجنبية، وليس أدل على ذلك من أن أكثر من نصف شهداء الصحافة في هذا العالم كانوا في العراق، وكان آخرهم لحظة إعداد هذا التقرير هو الصحفي الشاب منصف الخالدي الحاصل على شهادة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية، و مقدم البرامج في قناة (بغداد) إحدى المحطات الفضائية الوليدة في العراق، والتي تُحسب بشكل عام على أهل السنة. وإن كان القائمون عليها لا يرضون هذه التسمية، بل يحسبون أنفسهم على كل العراق. وقبل الصحفي كانت الفاجعة بمقتل الزميلة أطوار بهجت السامرائي برصاص غادر بعد تغطيتها الجريئة للأحداث في سامراء؛ إذ إنها الوحيدة التي تمكنت من الوصول إلى سامراء غداة تفجير قبة مرقد الإمام علي الهادي، لكن مكافأتها في السبق الصحفي كانت رصاصات استقرت في الرأس، وقُيّد الأمر ضد مجهولين، كما هو الحال مع معظم المقتولين في العراق، بين أطوار ومنصف كان المصوّر الكبير أمجد حميد الذي أصبح قبل مدة قصيرة مدير عام قناة (العراقية). ولا أعرف إذا ما كان أمراً سيئاً أم لا، إن قلت إن الصحفيين الثلاثة "منصف وأطوار و أمجد" رحمهم الله، كانوا من الذين أعرفهم جيداً، ومرت بيننا وبينهم جولات وجولات، لا سيما أطوار بهجت، والتي تنقّلْتُ معها من شرق العراق إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه، يوم كنا نعمل معاً كفريق واحد، وما زلت أتذكرها يوم اعتقلت من قبل القوات الأمريكية؛ لأنها تمكنت من الوصول إلى موقع الحدث قبل غيرها من الصحفيين فما كان من الأمريكيين إلا أن اتهموها بأنها تعرف بالحدث قبل وقوعه، مما أدى إلى اعتقالها، وحبسها يوماً كاملاً في مطار بغداد برفقة زميلها المصور ياسر بهجت.وإذا كان واقع الحال يتحدث فقط حول قتل الشهود فإن ما وراء خبر القتل هذا مجموعة من السهام تُقذف في قلب وبصيرة من يريد أن يخترق مكامن الحقيقة ليدلف إليها من باب الصحافة، ويوصلها إلى الجمهور العريض داخل العراق وخارجه لنقل ما يجري، لكن هذه السهام ستجعل من يريد النقل حيران لا يدري هل سيكون السهم التالي من نصيبه أم لا ؟!والسؤال الآن أي أثر ستتركه كل هذه الأحداث الدامية على الصحفيين الذين يمارسون عملهم الآن في العراق، وخاصة أن ما يُعرف بظاهرة إرهاب الصحفيين ما عادت تقتصر على ترويعهم وحتى قتلهم، بل تعدتها إلى إرهاب المؤسسات الصحفية واستهدافها، كما حصل مع قناة (بغداد) قبل أيام عندما استُهدف مقرها بوابل من الصواريخ، لتؤدي إلى إصابة ثلاثة من العاملين في الحقل الصحفي، وقناة (النهرين) التي فقدت اثنين من صحفييها أخذهم مجهولون من وزارة الداخلية ثم قتلوهم. وقبل الإجابة على التساؤل: من المستفيد من قتل الصحفيين، ومن يريد وأد الكلمة في العراق اليوم ، لا بد من الإشارة إلى أن الخطر الداهم على الصحفيين في العراق يأتي لأسباب متداخلة وشائكة تشترك فيها أربعة أطراف رئيسة، وهي: قوات الاحتلال، و الحكومة العراقية، و والمسلحون في العراق، ومجهولون.أما القوات الأمريكية ومن وراءها من الطيف الاحتلالي الواسع فإنها بداية المسؤولة عن كل ما يجري في العراق؛ لأنها أقرت دولياً بتوصيف الاحتلال ويلزمها حماية أمن البلد تبعا لذلك . ومع أن العمل الصحفي له من الخصوصية الكثير فإن هذه القوات ارتكبت الكثير بحق الصحافة، سواء على مستوى قتل الصحفيين، ومن بينهم الشهيد طارق أيوب، ورشيد والي، ومازن الطميزي، وآخرون كثيرون من غير تقديم اعتذار أو تحمّل أي تبعات، أو على مستوى اعتقال الصحفيين، كما حصل مع مئات الصحفيين في العراق، بعضهم اعتقل لساعات، وآخرون ما زالوا يقبعون في السجون، وهناك بعض المكاتب الصحفية قد بلغت فيها حالات الاعتقال للصحفيين أكثر من خمسين.ومما ارتكبته أيضاً تلك القوات هو إهانة عدد من الصحفيين داخل السجون، ومنهم الصحفي صهيب بدر الدين السامرائي الذي كان يغطي حادثة تفجير عدد من السيارات الأمريكية في مدينته سامراء، لينتهي به المطاف إلى الاعتقال لستة أشهر، وتمت معاملته بشكل سيئ، حيث روى لي بنفسه كيف كان الأمريكيون يعتدون عليه بالضرب و الإهانة. ومن الخروقات التي مارستها القوات الأمريكية على الصحفيين مصادرة العديد من الأشرطة والكامرات بحوزتهم بالقرب من مكان وقوع الحادث، وخاصة إذا كان في الحادث إصابات في صفوف الأمريكيين وآلياتهم بشكل لافت للنظر.لقد حصلت معي، ومع معظم الصحفيين الذين يغطون أحداث العراق الساخنة؛ فعندما يتوجه فريق صحفي إلى موقع الحدث، ومعهم بالطبع (كاميرا) لتسجيل لقطات الحادث يسرع الجنود - وخاصة إذا كان ثمة دمار كبير في أرتال عسكرية- إلى أخذ الشريط من (الكاميرا) أو مصادرة (الكاميرا) حتى صار الصحفيون يجدون بعض الحيل لأخذ اللقطات، من بينها الإسراع بتغيير الشريط مع كل لقطة يعتقد المصور والمرافق له أنها جيدة، كي لا تقع بيد الأمريكيين، والأمر الآخر هو فتح (الكاميرا) وتركها تصور من غير علم الجنود بأنها تصور لأخذ المزيد من اللقطات. لكن الأدهى من ذلك هو السؤال البديهي الذي يبدأ الجندي به لأول فريق يصل إلى موقع الحادث: من أين عرفت المكان؟ ولقد كنت ذات مرة متجهاً نحو مدينة خارج بغداد لتغطية مؤتمر صحفي ، وفي الطريق كانت سيارة أمريكية تحترق، وعندما بدأ التصوير أسرع إليّ الجندي الأمريكي، وقال: من أين عرفت مكان الانفجار؟ فقلت له: أنا ذاهب إلى كربلاء لتغطية مؤتمر صحفي ،ورأيت الحادث أمامي، فلم يصدق، ثم قام بتفتيشي، وأجلسني على الأرض، ثم أدخلني في السيارة، وبقيت أكثر من أربع ساعات فيها حتى أسرع الجنود لأمر طارئ ألمّ بهم ربما، ثم تركوني وغادروا المكان. وإذا كانت هذه التجاوزات تُرتكب بحق الصحفيين أنفسهم فإن للأمريكيين جولات وصولات لمنع وصول ما يجري على الأرض، وخاصة في أيام المعارك، و لاسيما معركتا الفلوجة الأولى والثانية، ولعلي أخص بالذكر منها الثانية التي لم يتمكن صحفي واحد يعمل للفضائيات من مباشرة عمله، ونقل الصور من داخل المدينة باستثناء وكالة واحدة فقط كان مراسلها يعمل مع الجيش الأمريكي، ويصور من الزاوية التي يحدّدها له القادة الميدانيون، ومن ثم تُعرض صوره على مقص الرقيب الأمريكي قبل أن تصل إلى المشاهدين في كل إنحاء العالم. ولا بد من الإشارة إلى أن الدور الأمريكي الضاغط على حرية الصحافة في العراق مثّله بداية قرار (بول بريمر) حل وزارة الإعلام العراقية، واعتبار موظفيها من المتقاعدين، وما تركه من أثر بالغ في طمر الخبرات المتراكمة عند هؤلاء وإبعادهم عن المجال الصحفي تجاه المجالات الأخرى. أما عن الحكومة العراقية فيبدو أن وجود قياداتها في المنطقة الخضراء ومرور الصحفيين إليهم من بوابات يحرسها الجنود الأمريكيون فإن هذا يرفع عنهم الكثير من اللوم الذي سيكون منصباً على الأمريكيين وعرقلتهم للصحفيين قبل دخول ذلك المكان. وبالطبع فإن الحكومة التي تُحسب على أنها كاملة السيادة، وهي المسؤولة عن رعاية العراقيين، ومنهم الصحفيين لم توفر الحماية، ووفقاً لتقارير نقابة المحامين العراقية سواء في ساحات المعارك أو في داخل المدن.ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتعداه إلى عدم كشف ملابسات قتل الصحفيين والى أين يصل "التحقيق" في قضايا قتلهم، ومن المتسبب؟ وما الدافع من وراء ذلك، حتى كأن هذا التحقيق- وكما يقول بعض المراقبين- بمثابة الستار الأخير الذي تُطوى به قضايا الموت ولا ذكر لها بعده!كما أنها لم تتمكن من توفير الحد الأدنى لفرص العمل لهؤلاء الصحفيين وخاصة من صحفيي وزارة الإعلام المنحلة بقرار أمريكي، وما زال يعاني مَن طُرد من الوزارة من سوء المعيشة وقلة الدخل.وحتى الإعلام الرسمي للحكومة، وعلى رأسه شبكة الإعلام العراقية، سواء في قناة (العراقية) أو جريدة الصباح الرسمية فإن جبهة الرفض لها بدأت تتسع من قبل شرائح كبيرة من العراقيين، وخاصة البرنامج الذي تقدمه قناة (العراقية) والذي يُعرف باسم "الإرهاب في قبضة العدالة"، والذي يعُرض فيه عدد من العراقيين تسميهم القناة "إرهابيين" وقتلة، ويعترفون بأنهم قاموا بقتل فلان في المنطقة الفلانية، وقد ظهر فيما بعد أن الأسماء التي ذُكرت لعراقيين قيل إنهم قُتلوا يظهرون أحياء، ولم يُقتل منهم أحد، بل وحتى إن عدداً من الذين خرجوا على الشاشات، وتُركوا بعد ذلك أكدوا أنهم أُجبروا على هذه الأقوال، مما جعل من الآلة الإعلامية الحكومية جزءاً مكملاً للحكومة، وليس طرفاً منعزلاً عنها ينظر إلى الأمور بحيادية، ولا أدلّ على ذلك من اختيار التوصيفات ذاتها التي تختارها الحكومة مثل: "قوات الأمن تلقي القبض على إرهابيين مجرمين في المنطقة الفلانية"، وهذا الخبر يُبثّ مباشرة بعد اعتقال مجموعة من العراقيين لم تثبت بعد عليهم الإدانة، ولم يُحاكموا ليتم وصمهم بهذه المسميات، ومن المعروف أن المتهم بريء حتى تثبت عليه الإدانة، وهذه الإدانة إنما تثبتها المحاكمات وليس أهواء القابضين. ومن أخطاء الحكومة الأخرى هو إغلاق بعض مكاتب القنوات الفضائية بحجة التحريض على الإرهاب، وهذا ما يدلل على أن الحكومة لا تتمكن من التصدي لحرية التعبير المؤثرة إلا من خلال إغلاق المكاتب، وليس مقارعة الحجة بالحجة، ومع هذا فإن الكلام عن دور الحكومة العراقية في رفع معاناة الصحفيين العراقيين قد يحوي الكثير من المغالطات؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن لا يتمكن من حماية نفسه أنى له أن يحمي غيره ؟!الجماعات المسلحة أما الجهة الثالثة التي تمارس الدور السلبي تجاه الصحفيين فهم الجماعات المسلحة، وإن كنا لا نستطيع أن نضع جميع البيض في سلة واحدة؛ لأن مفهوم الجماعات المسلحة يتعدى إلى غير المجاهدين أولاً، كما أنه قد يسلّط الأضواء على طرف مسلح بعينه دون الأطراف الأخرى، ولكن التقييم العام الذي يُطرح هو ضلوع عدد من تلك الجماعات بالتهديد المباشر للمؤسسات الإعلامية التي لا تتماشى مع خطهم، ولا تعتقد بأن التغيير أو إخراج المحتل إنما يدخل من بوابة السلاح، ولكن قد يدخل من باب المقاومة السلمية. ومع تهديد المؤسسات بشكل العام تقوم العديد من هذه الجماعات بممارسة نفس الدور على الصحفيين، وخاصة الذين يريدون نقل أخبار بعض التفجيرات التي يسقط فيها مدنيون، ومن بين ذلك أذكر حادثة واحدة وقعت في مدينة الرمادي، وعندما قام أحد التنظيمات المسلحة في العراق بإطلاق النار تجاه تجمع في جامع الرمادي الكبير؛ لأن هذا التجمع كان يدعو للمشاركة في الانتخابات، وبعد أن تم إطلاق النار باتجاههم، وأُصيب عدد من المشاركين في هذا التجمع أوصت هذه الجماعة المسلحة جميع الصحفيين بعدم نقل الخبر، وقالت لهم: إذا وجدنا الخبر أُذيع على أي وكالة تعملون فيها فأنتم وأهلكم في خطر!! إن مثل هذه الوقائع تجعل من الصحفي بين أكثر من كمّاشة تنتهي إلى إجباره إلى حذف الحقيقة؛ لأنها إن كانت تخدم طرفاً فإنها ولاشك تضر بأطراف أخرى.ومع هذا الترويع تأتي قضية اختطاف الصحفيين من قبل بعض الجماعات، وهو أمر إذا نُظر إليه في منظوره الأبعد فإن أي صحفي غربي الآن في العراق إنْ مشى على الأرض فإنه سيعرف حجم الدمار والسوء في العراق، لكن عمليات الخطف والقتل ضد الصحفيين جعلت منهم صحفيي فنادق، أي يغطون من الأحداث ما يُملى عليهم وفق بيانات الأمريكيين، وليس مما يحصل على الأرض، وأنا أعتقد أنّ وجودهم على الأرض سيكون أفضل بكثير لقضية الشعب، ولنقل معاناته؛ لأن الصورة لا تكذب مهما حاول هذا الصحفي أن يدلّس في نقله. ومع هذا فإن عملية خطف الصحفيين وقتلهم في بعض الأحيان يُعدّ في منظور صحفيي العراق سلباً لا يمكن تجاوزه وانتهاكاً واضحاً لحقوق الصحافة. المجهولون ومع أننا تكلّمنا عن دور المسلحين في زيادة الضغوط على الصحفيين فإن الطرف الرابع وهم "المجهولون" قد يتداخلون كثيراً مع المسلحين؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يجزم أن مَن قتل أطوار بهجت هم من الجماعات المسلحة كالقاعدة وغيرها، فقتل صحفية مثل "أطوار" له الكثير من المستفيدين، ولذلك يُعدّ ملف المجهولين وعرقلة أعمال الصحفيين في العراق الأكثر غموضاً والأكثر ضغطاً، فيعرف صحفيو العراق أن أصدقاءهم -وهم بالعشرات- قد وصلهم تهديدات من مجهولين تريد منهم إما الرحيل أو نشر شيء بالقوة، أو ترك مؤسسة بعينها، وهذا قد يشترك فيه الأمريكيون والحكومة والأحزاب والمسلحون، وأهل المنافع الشخصية، وجهات خارجية لا يمكن كثيراً التكهن بها. وتحت هذا الباب كذلك كانت موجة خطف العديد من الصحفيين واستبدالهم بعد ذلك بالمال، كنوع من إجرام عصابات المافيا ولا أحد يعرف إلى أي جهة ينتمي هؤلاء الذي مارسوا مثل هذه الأفعال. ولما كان هذا الموضوع شائكاً، وفيه الكثير من التداخلات، ومن بينها المصطلحات الإعلامية وتأثير الوضع العراقي الذي يجبر على استخدام مصطلحات بعينها أو حجب مدن بعينها من الأخبار في محطة ما، أو تسيير الجماهير إعلامياً بواسطة بعض المحطات أو طمس الحقائق أو التلاعب المقصود في مدلولات الخبر لحرفه عن معناه بإشارة واحدة يفهمها العراقيون مثل ارتداء غطاء رأس أحمر في إشارة إلى مدينة بعينها، وغير ذلك الكثير مما يجعل من مهنة الصحافة في العراق مهنة الموت والخوف وليس مهنة المتاعب فقط !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























